مشاهدات من شُّرْفَةُ المحكمة .. البرهان والحلا وكرتي شفرات خفية !

عزمي عبد الرازق
في يوم شتائي خارج بلا معقولية من تقاويم أواخر السنة، سدد الصباح طلعاته الباردة على أمواج النيل، واكتست معظم السيارات الخاصة في شوارع الخرطوم بعلامة التاكسي الصفراء، مُنذرة باختلال موازين الاقتصاد الأسري، وخرج رئيس الوزراء الثائر لتوه على الشركات العسكرية، مستقوياً بأثر اليانكي في فتوحات جو بايدن، حامل نيشان صليب تيرا ماريانا، وفي نزال جديد بين الحاضنة الحمدوكية والمنظومة الدفاعية، شعور بالحذر تسلل إلى جسد الخرطوم وهى تنام مثل امرأة غامضة متشبثة بالحياة، وقد بُرّزت الجحيم لبنيها قبل موكب ١٩ ديسمبر .
في صباحات المحاكمة أحاط بالقصر الرئاسي لأول مرة شعور رهيب بالقلق، قصر غردون كقصور الدولة الأموية في أواخر أيامها، أضواء الشوارع خافتة وهي تصارع أعمدة الغبار، كل شيء معتم، وكذلك الكرة البلورية فوق برج الدكتاتور الميت، ثمة حملة مرورية شرهة، وسيارات شرطية متحفزة، وعوادم متعطشة للوقود في الطلمبات الساهرة، التي كانت قد ابتلعت مداخل مركز التدريب الجنائي، هكذا وصلنا مقر المحكمة إذن مرة أخرى .
تفقد الحاجب الذي أَلَفَ الوجوه مصور التلفزيون القومي، فقال ما لي لا أَرَى محمد طنطاوي أم كان مِن الغَائبين، وقد صعقنا خبر فصله في كشوفات التمكين الأخيرة، لأنه حيا البشير في أخر جلسة كما رشح من معلومات هازئة!
الجلسة بدأت قبل مواعيدها المعتادة بعشر دقائق، ودلف القاضي كما يفعل كل مرة من البوابة الشرقية، بقية الحضور دخلوا من أبواب متفرقة، كان مولانا عصام الدين محمد إبراهيم يرتدي حلة زرقاء وكمامة رمادية، وبقية المعتقلين، اختنقت ملامحهم بالمرة، بدا الرئيس المعزول أقصر من كل الرجال الذين هم داخل القاعة، مع ذلك لمعت سنه الفضية وارتقى بمجرد أن سمع التكبير، أقيمت صلاة صامتة لروح شقيقه عبد الله البشير، دلف علي عثمان وهو يتأبط دفتر صغير دون عليه بعض الكلمات، بعد أن غيبه المرض عن جلسة محاكمته الخاصة. الشيخ الشنقيطي سلم على البشير والطيب محمد خير عبر وسيط جاء خصيصاً لتلك المهمة، في الخارج كان مطعم وكافيه أوركسترا على شارع عبيد ختم يقدم وجبة من التعارف بين أجيال مختلفة، ثمة فتيات يتصنعن الخجل ويدافعن عن عذريتهم بضحكات مكتومة، قال سائق العربة البوكو بعد أن نفث دخان سيجارته: ” انظر إليهن، كم هنّ جميلات” رد عليه رفيقه المتشائل: ” ومع ذلك جمالهن يشوبه الواقع السيء” .
كان منظر القاعة من وراء المدرج هادئاً للغاية، أو يبدو عادياً كسائر الجلسات، لو لا أن القاضي أغلق الثغرة التي عمل عليها الدفاع بالشهور، وجر ساعة المحكمة للأمام، حين أصدر حكمه برفض شطب الدعوى الجنائية في مواجهة المتهمين وذلك لتقادمها، مبرراً الرفض بأن الفعل المرتكب في 30 يونيو هو قبيل الجرائم المستمرة، وقد انتهى كجريمة مستمرة في 11 أبريل 2019 الساعة التي غربت فيها شمس الانقاذ، ما يعني ان التقادم سقط بسقوط المشير فقط، وقد حير ذلك فريق الدفاع حتى أن سبدرات طالب بتعليق الجلسات إلى حين انتهاء الجائحة، والتفت إلى عواطف الجعلي ومحمد الحسن الأمين، وقال لهما ” ألم أقل لكم أن القاضي سيفعل كذا وكذا” فردت عواطف وهى تعبر المدرج إلى الخارج ببطء:” ديل جماعتك وإنت بتعرفهم، حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم” تسمع همهمات مختنقة، لا أحد يتوقع تفاصيل المشاهد القادم، فكل ما أعلن عنه أن إجراءات المحاكمة ستستمر ضد جميع المتهمين الماثلين أمام المحكمة أو الذين سيحاكمون غيابياً، في وقتٍ أعلن فيه المؤتمر الشعبي التصعيد السياسي والقانوني، ورفع قميص الشهيد أحمد الخير فوق أسنة الرماح.
لا أحد سعيد اليوم أكثر من المعز حضرة، عضو هيئة الاتهام والناطق باسمها، حد أنه أصدر بياناً لاول مرة تقريباً منذ بداية المحكمة، حدد فيه طبيعة الجلسات المقبلة، وفتح المجال لهجمة نيابية، أشبه بدربكة في مرمى الدفاع، الاتهام يتجرأ ليغرس مفاجأة في أحشاء المشهد المُلتبس، حيث طلب استبدال وكيل النيابة أحمد الحلا، المتحري الأول في البلاغ بضابط من الشرطة، وهو طلب فسره المحامي كمال عمر بأنه يدخل في خضم الصراع بين النائب العام ونادي النيابة، ولربما خاف تاج السر الحبر أن يحرز الحلا هدفاً في مرماه، وبذلك استبدل لأعب بأخر لإرباك الخصم، على الأرجح، وهو طلب صفع القاضي الباب في وجهه، بعد أن انتفض أمامه، وقال ” لا يوجد سبب لاستبدال وكيل النيابة الذي كان حاضراً في كل إجراءات التحقيق طالما أنه لم يتم فصله” .
أيام قليله وينزع البشير عن جسده بردلوبة السجن، إذ تكاد تنقضي آجال المدة لمحكوم أنفق عامه الثاني خلف القضبان، دون أن يبوح لأي مخلوق بما جرى في الساعات الأخيرة قبيل بيان إبن عوف، أو كأن ثمة خدعة انطلت على الجميع، بطلها جنرال أخر غامض، قرر طوعاً أو كرهاً بأن يذهب المعزول حبيساً في عزلة مجيدة ويذهب هو إلى القصر رئيساً، الحبكة بلغت ذروتها كما يتخيل عشاق المؤامرات البوليسية، حتى أن كرتي، الذي طوى الحركة الاسلامية بين جناحيه كطائر الفينيق ما لبث أن بعثها لتبارك رفع إسم السودان من القائمة السوداء، وقبل ذلك باركت الاصلاحات الاقتصادية وخرجت لامتصاص أثارها في حملة (كلنا عطاء) .
شيء ما يحدث في دولة الخرتيت، هو مزيج من الحروب التمثيلية جرت الدكتور يوسف الكودة، رئيس حزب الوسط، للانضمام لهيئة الدفاع عن المدنيين المتهمين في الانقلاب، وعلى وجه الخصوص “علي عثمان طه، علي الحاج، والسنوسي” بينما لا زال الدكتور نافع علي نافع في فسحة من أمره، ينافح عن قناعاته المتصلبة، اقتربت منه مرة أخرى وسألته عن رأيه في رفع السودان من قائمة الارهاب الأمريكية، فقال ” هذا ما عملنا له منذ سنوات طويلة” قلت له الدعوى الجنائية لن تُشطب والمحاكمة ضدكم سوف تستمر، ما رأيك؟ رد باقتضاب ” لن تهز شعرة فينا” .
نواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *