*علي سلطان يكتب:آه يا ود اللمين قلنا ما ممكن تسافر *

آه يا ود اللمين
قلنا ما ممكن تسافر
علي سلطان

(1)
اشحت ببصري بعيدا وهربت من كل خبر أو صورة لك، فيها خبر نعيك، حاولت جاهدا تناسي الخبر الذي تقرأه في كل العيون، وكأن شيئا لم يحدث.. لم أسمع لم أقرأ.. لم اجرؤ.. ولكن هيهات.. تتدافع نحوك الصور.. الكلمات..الأغنيات.
لكم تمنيت أن يكون الخبر شائعة.. ولكن الموت حق.. وهو سبيل كل حي، وهو الحقيقة المؤكد التي لا مفر منها (كل نفس ٍ ذائقةُ الموت).
سهامُ الموت ونبالُه لك بالمرصاد ستنال منك عاجلا أو آجلا.. ورحل محمد الأمين بعيدا في المهجر البعيد.. و وري الثرى وحيدا بعيدا في ديار بعيدة غريبة.. ولا تدري نفس بأي ارض تموت..!!
ولكنه لم يكن وحيدا..كنا معه وحوله، كل القلوب الهائمة حولك.. يا حلو نتمنى ليك عاجل الشفاء والسلامة.. وان تتحفنا بعدها بأغنية من الدرر كما فعلت قبل عقود عندما كنت مستشفيا في لندن.. فولدت هناك (الحب والظروف) .. أو غربة وشوق، كما يحلو لنا أن نسميها وهي نتاج تلك التوأمة الفريدة الحلنقي و وداللمين.
لم نجرؤ ولم نلحق أن نقول له: ماممكن تسافر، أو نقول له: وداعا..!
سافرنا كلنا وتركنا الوطن مذبوحا على عتبة بوابة عبدالقيوم. وكنا نمني النفس أن نغني معه قريبا (رجع البلد) ..!! ولكن وآحزناه لم يرجع البلد.. ولم نرجع نحن قبله لنكون في استقباله..!
(2)
إنكسر العود وماتت (الخربشات) والدندنه والعزف الفريد المثير الشجي العصى..!!
كان نسيج وحده وفريد عصره..بعد وفاته عرفت أن إسمه محمد الأمين حمد النيل الازيرق..

وكنت اندهش من صوفيته في اللحن والصوت، وذلك الحنين المفرط..الذي يذيب الصخر..!!
لم أفكر أن أتخطى اسم محمد الأمين الى مابعده.. ولم نحتاج ذلك، كان محمد الأمين وكفى.. وكان ود اللمين والباشكاتب والأستاذ ..كلمة الأستاذ عنه مشبعةٌ فخيمة، وكأنه جَمع الأساتذة كلهم والاستاذية كلها..!
(3)
لكلِ محبٍ لود اللمين ذكرى خاصة، وركن قصي تختبئ فيه الأحزان والآهات والدموع.. وكم سكبنا من دموع في غربة طويلة العمر، ونحن كل مساء وليلة مع الحب والظروف، وكم سكبنا وذرفنا من دموع..17دقيقة من الشجن زمن الأغنية وفق تسجيل إذاعة ام درمان والمحفوظ في مكتبتها الأم.
وراء البسمات كتمت دموع بكيت من غير تحس بي..!!
وبكره الريد الريد..!
وبكره الريد يفاجئك يوم من غير تقول ليا..!
ياريت.. يا حليل الريد..!!
ذلك رجعٌ بعيد..
ذاك بابٌ، أغلق بمزلاج من حديد…!
أشوفك بكره في الموعد.. لم يعد هناك في السودان موعد.. ذاب كما ذابت الدموع على الخدود.. كل المواعيد مؤجلة الى حين.. مابقى غير الدموع.. آهٍ يا ود الأمين.
(4)
كنا قبل سنوات طلبة في شندي الثانوية في فتوة الشباب وعنفوانه.. كنا كل خميس نلتقي في سينما شندي، خاصة إذا كان الفيلم غربيا غير شرقي، من أفلام هولي وود.. وكان موعدنا الذي لا نختلف حوله ولا نتخلف عنه.
وبعد الفيلم نلتقي في قهوة جنوب الجامع الكبير وغرب ستوديو علي بابا.. كنت أنا وتاج السر المساعد رحمه الله ومحمد الحسن جباره والتجاني الهادي الشريف إن كان موجودا في شندي، واحيانا عبدالرحيم الطاهر وحمزة سعد وآخرين من الزملاء.
لم يكن محور حديثنا في تلك الجلسات عن الفيلم الذي شاهدنا..فقد كنا نتحدث عنه بعض الوقت، ولكن كان محور حديثنا هو ود اللمين واغنياته..فقد كنا نصنف أنفسنا من عشاقه..!!كان يجمعنا حب فنه.

(5)
في سابقة نادرة أحيا أحد أعيان شندي حفل زواج إبنه بود الأمين .. كان حدثا شنداويا خالصا َفريدا.. كانت الحفلة في الساحة التي ازدانت بالثريات والأنوار.. وامتلأت الساحة عن بكرة أبيها .. الكل جاء من أجل وداللمين..
لم يستطع وداللمين إكمال الحفل بسبب الضوضاء و الازدحام.. كم زعلنا ليلتها لأن كثيرين لم يقدروا فنه..وحرمونا من متعة أعددنا لها العدة واللهفة وانيق الثياب المدخرةللمناسبات.
(6)
العيد الجاب الناس لينا ماجابك.. كم رددناها في ليلة كل عيد.. كان أخي أحمد سلطان رحمه الله يزورنا في شندي في الأعياد وكذلك عدد من أبناء مربع 7الذين يعملون في الخرطوم.. كنا نهار يوم التاسوعاء أو وقفة عرفات ننتظر في شارعنا الرئيس في الحي نترقب عربات التاكسي حيث نتوقع أن يصل أحمد أو غيره من ابناء الجيران.. فاذا جاء أحدهم انطلقنا مسرعين مهللين نزف الخبر وننال البشارة .. أما اذا لم يأت أحدهم. . كنا نترقب في الراديو أغنية العيد الجاب الناس لينا ماجابك يعني نسيتنا خلاص..!! بعد ما كبرنا كنا نرددها لكل الأحبة الذين حرمونا من رؤيتهم في العيد.
مع إنك إنت ال خليتنا نغني الحب ذكرى واخلاص..!

(7)
أتذكر ذلك المغترب مثلنا الذي رجع البلد في اجازته السنوية.. وغني على مدرج المطار (رجع البلد) بعد العيون سهرن هجد.
والمغترب في الحَمام يغسل أدران غربته، يسمع صياح الديك وهو في حشرجة الموت، والسكين بيد أمه .. وصاح صيحته تلك الخالدة:يامه دجاج لا، بيض لا، ود اللمين لا..!!
لخصت صيحته المجلجة حياة المغتربين زمان التي تدور في أكل الدجاج والبيض وسماع ود الأمين..!!
كم من أشرطة كاسيت جابت بحار العالم تحمل الشوق والحنين لكل مغترب.
(8)
ازدادُ طربا كلما سمعت صوت وداللمين هو يؤدي أغنيات غيره من زملائه الفنانين.. كم أعشق بصوته بدور القلعة وجوهرا.. العيون النوركن بيجهرا.. وحين غني لوردي وعثمان حسين والكويتي عبدالكريم عبد القادر.. الخ

(9)

في العام 1973،نشرت صحيفة الصحافة في ملفها الثقافي قصيدة للشاعر هاشم صديق في صفحة كاملة وكُتب تعليقا عليها أن هذه القصيدة سيغنيها محمد الأمين قريبا.. أعجبتني القصيدة وحفظتها عن ظهر قلبي وكأني أنتظر اللحن ..!
في الباخرة وهي تمخر عباب النيل من حلفا الى أسوان تعرفت على شاب إسمه الرشيد عزالدين وعرفت أنه صديق شخصي لوداللمين، اسمعته ابياتا من قصيدة هاشم صديق.. لم يصدق..!
واصبحنا من يومها أصدقاء.
لما شفتك ليلى ضوا.. وبق نور.. و نرجس الجنة المفرهد رف بي جنحات عطور.. غنى فارسك وخت صورتك في الإطار.. وقال في وصفك لما بِنت احلى منك برضو إنت.
(11)
عندما كنا في الإذاعة .. كنا نذهب مجموعة من الزملاء من مذيعين ومخرجين وفنيي صوت الى المسرح القومي منتصف النهار لنشاهد بروفات(الاكتوبريات) أناشيد واغنيات اكتوبر الوطنية بقيادة ود اللمين..كانت البروفات متعة حقيقية، وأنت تسمع وتشاهد وداللمين يُصحح ويُعيد ويُوجه كلا من خليل إسماعيل وام بلينة السنوسي وغيرهم رحمهم الله جميعا.

(11)
كلما اضاءت عندي مساحة ذكرى غطتها الدموع..
جف المداد.. وانسكبت الألحان.. ولفنا صمت موحش كئيب.
تناهي من بعيد صوتٌ شجي ولحن راقص.. اشوفك بكره في الموعد.. تصور روعة المشهد..!
ربما يأتي ذلك الوعد المرتقب في حنايا وقلب الخرطوم.. ستكون صورتك في الإطار معنا.. نغني لعودة طال امدها..ستكون معنا حيث نكون..!
رحمك الله وغفر لك الى جنة الخلد محمد الأمين

اسمرا – ارتيريا
15/11/2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *