بخاري بشير يكتب: خارج الإطار: صنائع المعروف.. في أوقات الحرب !!

 

الحرب السودانية الجارية رحاها في الخرطوم وبعض مناطق دارفور، أخرجت أسوأ ما في مجتمعنا السوداني، إذ لم يتخيل أعتى المتشائمين أن تدور رحى الحرب داخل منازل الناس، ويكون المواطن هو الضحية الأولي لأعتى موجة تهجير، وافقار لم تحدث له علي مدار تأريخه أو عمره الكوني.. جرائم مليشيا التمرد أكثر من أن تحصي، فقد انتهكوا كل الحرمات ولم يردعم دين أو خلق، ولكن أخرجت الحرب كذلك مجرمي الظلام كما تخرج الأفاعي من جحورها، وهؤلاء فئة من السودانيين كانوا بيننا يعيشون ولم يجدوا من المجتمع الا الاحسان، ولكن بمجرد فرار المدنيين من ويلات القنابل والرصاص، كان هؤلاء أول من سرق واول من نهب، وأقاموا لمسروقاتنا ما أسموه بأسواق دقلو.
ايقن المواطن في ظل كل الفظائع التي عاشها ولا زال، أن سلوكيات ما بعد الحرب، أسوأ من الحرب ذاتها، لأنه أصبح مواطن بلا ماضي، وبلا مستقبل وقد فقد كل شئ حتي ذكرياته الحبيبة.
وفي ظل هذا الجو المشحون بالألم، والفقد، الم العوز، وفقد الأحباب، كان هناك البعض الذين اختصهم الله لقضاء حوائج الناس، وظهرت في مجتمعنا معادن ذادتها الحرب صلابة، فكانت هي البلسم لجراحنا.. وخرج من عنق الأزمة ورحم الحرب الذين كانوا سباقين في فعل الخيرات.. وأحب أن أشير في هذه المساحة لمساهمات شركة تاركو للطيران، التي كانت قبل الحرب صاحبة مواقف ونماذج أهلتها لتكون في طلائع الناقلين الجويين في السودان، ولم تكن كل أهدافها ربحية، كان لها سبق نقل الجثامين من اي دولة وبلا مقابل، وبعد الحرب تعرضت كغيرها من الشركات الوطنية للخراب والخسائر الفادحة، وكانت من اول الشركات التي انتقلت الي شرق السودان لتسهم مع آخرين في ربط هذا الوطن بالعالم الخارجي، مارست الشركة بعد الحرب ذات جهودها القديمة، وزادت عليها نقل الكثير من الاعانات لاهل السودان كأدوية مرضي الكلي وغيرها، ولم اجد جهة طلبت نقل مواد إغاثية تبرع بها سودانيون في دول المهجر الا وكانت تاركو في الناقلين لهذه التبرعات العينية.
لا نقول إن ذلك جزء من مسؤوليتها الاجتماعية فقط، ولكنها تقف دوما قريبا من المواطن، وتشعر بما يحس به ويعاني منه، وهي بهذه المواقف، لم تسأل الناس ليشكروها ، إنما عينها كانت موجهة للفضاء الوطني الكبير، الذي هو اليوم في أمس الحاجة الإسناد والدعم، بعد افرازات الحرب وحوجته لكل جهد مهما صغر من كل وطني أو كل سوداني مهما كان موقعه.
نعلم أن أسماء كبيرة في عالم المال والبزنس، وشركات كانت ملء السمع والبصر وتتعامل برساميل تصل لمليارات الدولارات أضحت اليوم (منزوية) وبعيدة عن هموم أهل السودان ومعاناتهم، والأسماء معروفة ومحفوظة لنا، وكأن الذي يجري لا يعنيها في شئ، أو كأنه يحدث في دولة أخري.. السودان دولة كبيرة وذات تأريخ وصاحبة موارد وعصية علي أعدائها، لكنها دولة واجهت الظلم من ذوي القربي، ومن ابنائها المقتدرين، الذين وقفوا دون مد يد العون لبلادهم.
سيحفظ التأريخ السوداني لكل من أسهم في علاج مريض أو إعانة ملهوف، أو مواساة حزين، أو إطعام جائع، سيحفظ التاريخ له هذا الصنيع.. والحرب لن تدوم، ولكن ليعلم الناس أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *