*لماذا يعطي الأميركيون أصواتهم لمتطرفين؟*

 

يبدو أن الناخبين الأميركيين عازمون على تسليم الحزب الجمهوري السيطرة على مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ أيضا، في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. ينطبق ذات الوصف على العديد من سباقات الولايات، حيث تُـظـهِـر استطلاعات الرأي اكتساب الجمهوريين لمزيد من الأرض.

مثل هذه النتيجة من شأنها أن تخلف عواقب وخيمة على الديمقراطية الأميركية، وخاصة إذا أدت إلى مزيد من تدهور النظام الانتخابي في الولايات المتحدة. ونظرا للعدد الكبير من منكري انتخابات 2020 الذين يتنافسون على المناصب في عام 2022، والقوة الهائلة التي سيمنحهم إياها هذا النصر في ما يتصل بكيفية الإدلاء بالأصوات وإحصائها، فإن هذا الاحتمال مثير على نحو متزايد للقلق الشديد. الواقع أن انتصار الجمهوريين المرجح في انتخابات التجديد النصفي مثير للحيرة الشديدة. فالآن يهيمن على الحزب فصيل متطرف يَـدّعي أعضاؤه البارزون “أو ادّعوا” ليس فقط أن الرئيس السابق دونالد ترمب فاز بالانتخابات الرئاسية عام 2020، بل وأيضا أن تغير المناخ مجرد خدعة، وأن مرض فيروس كورونا مؤامرة، وأن الرئيس السابق باراك أوباما لم يولد في الولايات المتحدة. ورغم أن الكثير من الجمهوريين لا يقولون مثل هذه الأمور “وأن كثيرا من أولئك الذين يصرحون بها لا يصدقون ما يقولون في الأرجح”، فإن المتطرفين من أتباع ترمب هم الذين يتولون المسؤولية. من المؤكد أن العديد من الديمقراطيين المنتخبين، بما في ذلك بعض المنتمين إلى أقصى اليسار في الحزب الديمقراطي يدلون أيضا بتصريحات مثيرة للجدال. لكن أعدادهم أقل كثيرا، كما أنهم أقل ميلا إلى تصديق الأكاذيب القائمة على وقائع حقيقية. على أية حال، من المرجح أن تتحدد نتيجة هذه الانتخابات ـ مثلها في ذلك كمثل أغلب الانتخابات ـ بواسطة أولئك من غير الموالين المخلصين لترمب أو التقدميين المنتمين إلى اليسار. السؤال يصبح إذا، لماذا يفكر الناخبون من أصحاب الأصوات الـمُـرَجِّـحة في الإدلاء بأصواتهم لصالح النسخة الحالية من الحزب الجمهوري؟ الجواب بالطبع هو أن الناخبين يعتبرون القضايا الاقتصادية على رأس أولوياتهم. إنهم أكثر اهتماما بارتفاع الأسعار من انشغالهم بنظريات المؤامرة حول الانتخابات السابقة أو القادمة. علاوة على ذلك، يبدو أن بعض الناخبين يتصورون أن الرؤساء الجمهوريين سجلهم الاقتصادي أفضل، ويستشهدون بالتضخم المرتفع حاليا ومخاوف الركود كدليل على أن الديمقراطيين يسيؤون إدارة الاقتصاد. بيد أن السجل الاقتصادي التاريخي الحقيقي مختلف تمام الاختلاف عن تصورات الناس. وعلى الرغم من بعض أخطاء السياسات الكبرى التي ارتكبتها إدارة بايدن، فإن الاقتصاد الأميركي قوي في الوقت الحالي. من اللافت للنظر أن كثيرا من الأميركيين يعتقدون أن الاقتصاد في حالة مزرية في حين أن معدل البطالة يبلغ 3.5%. المرة الأخيرة حيث انخفض معدل البطالة إلى ما دون هذه النسبة، في مايو من عام 1969، كانت فرقة البيتلز لم تـنـحَـل بعد. على نحو مماثل، كان هناك ما يقرب من وظيفتين شاغرتين لكل عاطل عن العمل في العام السابق، مما يشير إلى أضيق سوق عمل منذ بدأت السجلات في عام 2007. وعادة ما تكون هذه النسبة أقل من واحد.

وبرغم أن احتمالية حدوث ركود في 2023 أو 2024 أعلى كثيرا من المعتاد، نظرا لزيادات أسعار الفائدة السريعة من قِـبَـل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، فمن غير المرجح أن تكون الولايات المتحدة بالفعل في حالة ركود. كما أنه ليس من المؤكد أن الركود وشيك. من ناحية أخرى نجد أن أوروبا أكثر ميلا إلى أن تشهد ركودا حادا، نظرا لحقيقة مفادها أن الاقتصادات الأوروبية أكثر عُـرضة لأسعار الطاقة مقارنة بالاقتصاد الأميركي.

مع ذلك، من المفهوم أن يشعر الناخبون بالغضب بشأن التضخم. في سبتمبر، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 8.2% على أساس سنوي. وكان معدل التضخم الأساسي الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة أقل، عند مستوى 6.6%. لكن هذا ليس مريحا من منظور الأميركيين الذي يعانون من صدمة الملصقات كلما ذهبوا إلى السوبر ماركت. فقد ارتفع سعر الحليب على سبيل المثال بنسبة 30% منذ فبراير 2020، إلى 4.41 دولارا للجالون “3.8 لترا”. ليس من المستغرب إذن أن يخشى كثيرون من الناخبين عودة التضخم العظيم الذي شهدته الولايات المتحدة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. مع ارتفاع الأسعار بالدولار، يجب أن ترتفع الدخول بذات القدر. قد يكون من المدهش أن نعلم أن الدخل الاسمي الأميركي، في الإجمال، كان مواكبا لارتفاع الأسعار. لكن الأجور لا ترتفع بذات السرعة. فقد انحدرت مكاسب العمال الأسبوعية الحقيقية على مدار العام الأخير، في حين كانت الحصة من الدخل التي تذهب إلى أصحاب أعلى الدخول في الولايات المتحدة في ارتفاع، كما كانت الحال لأكثر من 40 عاما. لكن اتساع فجوة التفاوت في الولايات المتحدة ليس ظاهرة جديدة، وقد تفاقمت الفوارق الاقتصادية بشكل كبير في ظل رؤساء جمهوريين، ويرجع هذا جزئيا إلى التخفيضات الضريبية لصالح الأثرياء في عهد الرؤساء رونالد ريجان، وجورج دبليو بوش ، وترمب. إذا كان الناخبون قلقين بشأن اتساع فجوة التفاوت، فمن المنطقي أن يدعموا السياسات الديمقراطية. على مدار السنوات القليلة الأخيرة، عمل الديمقراطيون على توسيع نطاق برنامج “أوباما كير”، فساعد هذا على زيادة عدد الأميركيين الذين يتمتعون بالتأمين الصحي، وخفض أسعار الأدوية من خلال قانون خفض التضخم. بالإضافة إلى هذا، حاولوا “وفشلوا حتى الآن” إغلاق ثغرة الفائدة المحمولة، وزيادة الضرائب على الأثرياء، وإنشاء رياض الأطفال الشاملة العالية الجودة. لا شك أن مثل هذه السياسات ستصطدم بجدار من طوب إذا فاز حزب ترمب في نوفمبر. ولكن على الرغم من عدائهم الواضح لمصالح أغلب الناخبين الاقتصادية ــ والديمقراطية ذاتها ــ لا يزال الجمهوريون هم الأقرب إلى الفوز. هذا أمر لا يمكن تفسيره ــ ومثير للقلق الشديد.

• جيفري فرانكل أستاذ تكوين رأس المال والنمو بجامعة هارفارد عمل سابقًا كعضو في مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس بيل كلينتون.

** خدمة بروجيكت سنديكيت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *